ابن الجوزي
386
صيد الخاطر
وقد روينا أن رجلا استأذن على قاضي القضاة ابن أبي داود « 1 » وقال : قولوا له أبو جعفر بالباب فلما سمع هشّ وقال : ائذنوا له . فدخل فقام وتلقاه وأكرمه وأعطاه خمسة آلاف وودعه . فقيل له : رجل من العوام ، فعلت به هذا ؟ قال : اني كنت فقيرا ، وكان هذا صديقا فجئته يوما فقلت له : أنا جائع . فقال : اجلس . وخرج فجاء بشواء وحلوى وخبز فقال : كل . فقلت : كل معي . قال : لا . قلت : واللّه لا آكل حتى تأكل معي . فأكل فجعل الدم يجري من فمه . فقلت : ما هذا ؟ فقال : مرض . فقلت : واللّه لا بد أن تخبرني . فقال : انك لما جئتني لم أكن أملك شيئا ، وكانت أسناني مضبّبة بشريط من ذهب ، فنزعته واشتريت به . فهل أكافىء مثل هذا ؟ وعلى عكس هذه الأشياء كان ابن الزيات وزير الواثق وكان يضع من المتوكل . فلما ولي عذبه بأنواع العذاب . وكذلك ابن الجزري كان لا يوقر المسترشد قبل الولاية فجرت عليه الآفات لما ولي . فالعاقل من تأمل العواقب وراعاها ، وصور كل ما يجوز أن يقع فعمل بمقتضى الحزم . وأبلغ من هذا تصوير وجود الموت عاجلا ، لأنه يجوز أن يأتي بغتة من غير مرض . فالحازم من استعد له وعمل عمل من لا يندم إذا جاءه ، وحذر من الذنوب فإنها كعدو مراصد بالجزاء ، وادخر لنفسه صالح الاعمال فإنها كصديق صديق ينفع وقت الشدة . وأبلغ من كل شيء أن يعلم المؤمن أنه كلما زاد عمله في الفضائل علت مرتبته
--> ( 1 ) انظر الكلام عنه في كتابي « رجال من التاريخ » .